محمد رأفت سعيد
195
تاريخ نزول القرآن الكريم
سقوط النجم في الأفق في آخر الليل عند إدباره . والذي أبدع هذه الآيات الكونية المشاهدة هو الذي أرسل صاحبكم إليكم ، وهو الذي اختاره ، وهو الذي حفظه من الضلالة والغواية . وأنتم قد عايشتموه أربعين عاما قبل أن يوحى إليه وصحبتموه فيها صحبة قريبة عرفتم فيها صفاته ولقبتموه بالصادق الأمين وكلمتموه في معضلات أموركم ، وعرف فيكم بصفات الإنسان الكامل فلا يليق بعد أن جاءكم برسالة ربه إليكم أن تغالطوا أنفسكم وأن ترموه بالضلال والغواية وهذه شهادة الله فيه مصحوبة بهذا القسم الكريم ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن هوى نفسه . ولا يتبع إلا ما أوحى إليه وما تسمعونه منه فيما يخبركم به عن الله تعالى وعن شرعه فإنه من وحي الله إليه . فهذه هي المسألة الأولى والأساسية والتي يؤسس عليها الدين كله ، إنها التصديق بالوحي فالذي يؤمن بالوحي يؤمن بما يتبعه . والذي يكذب بالوحي فقد هدم أساس الرسالة ولا يرجى منه بعد ذلك خير . المسألة الثانية : والتي ترتّب على التصديق بالوحي . الاطمئنان على مسيرته من الله سبحانه إلى رسول الله محمد صلّى اللّه عليه وسلم فتذكر سورة النجم في هذه المسألة قوله تعالى : عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ( 5 ) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى ( 6 ) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى ( 7 ) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى ( 8 ) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ( 9 ) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ( 11 ) أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى ( 12 ) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ( 13 ) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى ( 14 ) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى ( 15 ) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ( 16 ) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ( 17 ) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى . فالذي يحمل إليه وحى الله وصف بالقوة ، وهذا يطمئن من أن الشياطين وغيرهم لا يستطيعون سلب ما معه من علم ، ولا يستطيعون التأثير عليه لتغيير ما يؤمرون به ، فجبريل الأمين شديد القوى . وقد أيقن الرسول من رؤيته بحالته التي خلقه الله عليها في أول نزول الوحي بحراء ، فقد دنا منه فكان في قربه منه قدر قوسين أو أقرب من القوسين . فليس جبريل بعيدا عنه إنه عرف صورته وعرف صوته وعرف قوته وأمانته . وما يعلمه جبريل الأمين القوى الذي لا يخون والذي لا يجرؤ عليه أحد يجد هذا العلم سبيله إلى فؤاد النبي صلّى اللّه عليه وسلم أي في أهم ما يحمل الإنسان وأهم ما يميز الإنسان في القلب ، فاتفق فؤاد الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ورؤيته على الوحي الذي أوحاه الله إليه ، وتواطأ عليه سمعه وبصره وقلبه ، وهذا دليل على كمال الوحي الذي أوحاه الله إليه ،